السيد محمد حسين فضل الله

28

من وحي القرآن

2 - إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ : وهي النقطة الثانية في تدبير اللَّه لأمر الإنسان ، فهو لم يخض الإنسان للقوانين الحتمية التي تتحكم به وتصوغه بطريقة جامدة ثابتة لا يملك معها لنفسه أية فرصة للتغيير وللتبديل ، بل خلقه خلقا حيويا يتحرك بفعل الإرادة المتحركة التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف ، مما يجعل مصيره محكوما لإرادته ، فهو الذي يصنع تاريخه بقراره الإرادي الحر ، وهو الذي يملك تغيير واقعه بتغيير الأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تحكمه وتحرك حياته ، فقد أراد اللَّه للإنسان أن يملك حريته ، ويتحمل مسؤولية نفسه من موقع هذه الحرية ، كما أراد أن يدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل ، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به ، بقدر علاقتها به ، وليس من الضروري أن تتحكم به . فالإنسان هو صانع الظروف ، وليست الظروف هي التي تصنعه . وعلى ضوء ذلك ، نستطيع اعتبار العامل الأساس في التغيير هو الإنسان بما يحمله من مفاهيم وأفكار حول الحياة الدائرة حوله ، ذلك أن المشاريع المتنوعة التي تحكم الواقع ، تبدأ كفكرة ثم تتحول إلى مشروع ، وهذا ما يؤكد تكريم اللَّه للإنسان في إرجاع أمره إلى نفسه ، فهو الذي يغيّر واقعه بتغيير نفسه ، وهو الذي يغيّر نفسه بعمق إرادته وامتداد أفقه . 3 - وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ : فهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في مستقبل الإنسان ، في حياته وموته ، في قوته وضعفه ، وفي صحته ومرضه ، وهكذا يملك اللَّه إيقاع السوء بالإنسان ، كما يملك دفعه عنه ، ولا يملك أحد له شيئا إذا أراد اللَّه به شيئا وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ يلي أمرهم ويدفع عنهم ذلك كله . وهذا ما يؤكد للإنسان ارتباطه بربه بالمستوي الذي ينقطع بذاك الارتباط عن غيره ، طلبا لحماية نفسه من أي شر ، الأمر الذي